أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / عودة «طالبان» إلى الحكم.. وانعكاساتها المحتملة على المنطقة العربية

عودة «طالبان» إلى الحكم.. وانعكاساتها المحتملة على المنطقة العربية

موسى عساف

الانهيار‭ ‬السريع‭ ‬والمفاجئ‭ ‬للجيش‭ ‬الأفغاني،‭ ‬ونجاح‭ ‬حركة‭ ‬طالبان‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬أغلب‭ ‬المدن‭ ‬والبلدات‭ ‬الأفغانية،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬كابول،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اغتنامها‭ ‬لأسلحة‭ ‬ومعدات‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬بمئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬يعيدنا‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬عندما‭ ‬نجح‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ (‬داعش‭) ‬في‭ ‬بسط‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬دون‭ ‬أية‭ ‬مقاومة‭ ‬تذكر‭.‬
تكرار‭ ‬المشهد‭ ‬ذاته‭ ‬بفارق‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬المنطقة‭ ‬الجغرافية‭ ‬والعناصر‭ ‬المنفذة،‭ ‬دفع‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬المحللين،‭ ‬وحتى‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تبني‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬المؤامرة‮»‬‭ ‬الغربية‭ ‬المستمرة‭ ‬باستغلال‭ ‬التنظيمات‭ ‬المتطرفة‭ ‬ضد‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭.‬
في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬عانى‭ ‬الجميع‭ ‬ما‭ ‬عاناه‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬الداعشي،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬تأثيراته‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬والتي‭ ‬شهدت‭ ‬عمليات‭ ‬إرهابية‭ ‬ومحاولات‭ ‬زعزعة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬طال‭ ‬أيضاً‭ ‬كبرى‭ ‬عواصم‭ ‬العالم‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭.‬
اليوم‭ ‬ومع‭ ‬سيطرة‭ ‬حركة‭ ‬طالبان‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الأفغانية،‭ ‬وبعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬وما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬بالأرواح‭ ‬وما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ترليون‭ ‬دولار،‭ ‬والفشل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬الترويج‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أهداف،‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬السؤال‭ ‬القديم‭ ‬الجديد‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬التطورات‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية؟‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬المبرر‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بالقلق‭ ‬من‭ ‬احتمالية‭ ‬انعكاس‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬التطورات‭ ‬على‭ ‬أمنها؟‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬خطوات‭ ‬جادة‭ ‬وعملية‭ ‬يمكن‭ ‬اتخاذها‭ ‬لتقليل‭ ‬تلك‭ ‬التداعيات‭ ‬إن‭ ‬وجدت؟
تاريخياً؛‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬أغلب‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬منظومة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬مع‭ ‬أفغانستان‭ ‬قديمة‭ ‬للغاية،‭ ‬والتي‭ ‬بنيت‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬منذ‭ ‬الاحتلال‭ ‬السوفييتي‭ ‬لأفغانستان،‭ ‬والذي‭ ‬بدأ‭ ‬فعلياً‭ ‬عندما‭ ‬نصب‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬‮«‬بابراك‭ ‬كارميل‮»‬‭ ‬رئيسا‭ ‬لجمهورية‭ ‬أفغانستان‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وهو‭ ‬بالمناسبة‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬تمكنت‭ ‬فيه‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬للشاه‭ ‬من‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بقيادة‭ ‬الخميني‭.‬
ومع‭ ‬بداية‭ ‬المقاومة‭ ‬الأفغانية‭ ‬للوجود‭ ‬السوفييتي‭ ‬في‭ ‬بلادهم؛‭ ‬والتي‭ ‬تشكلت‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬إسلامي‭ ‬براق‭ ‬‮«‬الجهاد‮»‬،‭ ‬بقيادات‭ ‬دينية‭ ‬وقبلية‭ ‬وتنظيمات‭ ‬إسلامية،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬العربي،‭ ‬للسفر‭ ‬إلى‭ ‬أفغانستان‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬هناك،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬وفرته‭ ‬الحكومات‭ ‬من‭ ‬تغطية‭ ‬لهذه‭ ‬المشاركة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تتم‭ ‬بتخطيط‭ ‬وتنظيم‭ ‬من‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والباكستانية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المساهمة‭ ‬الرسمية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬شراء‭ ‬الأسلحة‭. ‬
ومع‭ ‬طول‭ ‬أمد‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬التنظيمات‭ ‬الأفغانية‭ / ‬العربية‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬السوفيتي‭ ‬تشكل‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬الوثيقة‭ ‬مع‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأهلي‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرسمي،‭ ‬والذي‭ ‬سعى‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬لتحقيق‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الأفغانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬بالفعل‭.‬
لكن‭ ‬العلاقة‭ ‬الرسمية‭ ‬العربية‭ ‬مع‭ ‬طالبان‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬توقفت‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وبداية‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬لأفغانستان،‭ ‬إذ‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬نجاحات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الغزو‭ ‬من‭ ‬إنهاء‭ ‬سلطة‭ ‬طالبان‭ ‬وتسديد‭ ‬ضربات‭ ‬موجعة‭ ‬للتنظيمات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وخصوصا‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة،‭ ‬بدأت‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ارتدادات‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬فنشطت‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أفغانستان،‭ ‬والتي‭ ‬تبنت‭ ‬أيديولوجيات‭ ‬دينية‭ / ‬سياسية‭ ‬متطرفة،‭ ‬فبدأت‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬إرهابية‭ ‬ضد‭ ‬أهداف‭ ‬عسكرية‭ ‬ومدنية‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬المئات،‭ ‬بل‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منطقة،‭ ‬فتشكلت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التنظيمات‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬ذات‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وبايعت‭ ‬زعيم‭ ‬التنظيم‭ ‬آنذاك،‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن‭.‬
اليوم‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬الأولى‭ ‬لطالبان‭ ‬على‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وعودة‭ ‬الحركة‭ ‬من‭ ‬جديد؛‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والحذر،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاستعداد‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأسوأ،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬تابعناه‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬البعض‭ ‬عن‭ ‬ـ«النصر‭ ‬الإلهي‮»‬‭ ‬و«الفتح‭ ‬المبين‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬حققه‭ ‬مقاتلو‭ ‬طالبان‭.‬
إلى‭ ‬الآن؛‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬الجديد‭ ‬القائم‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الحذر‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬بياناتها‭ ‬‮«‬الأمل‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‮»‬،‭ ‬ودعوة‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تغلب‭ ‬مصالح‭ ‬البلاد‭ ‬وحقن‭ ‬دماء‭ ‬الأبرياء‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬السياسة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تبناها‭ ‬أيضا‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬قمته‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬العلا،‭ ‬يناير‭ ‬2021،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬‮«‬أهمية‭ ‬استعادة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬أفغانستان‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬آمال‭ ‬وتطلعات‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬الشقيق،‭ ‬ويعود‭ ‬بالنفع‭ ‬على‭ ‬الأمـن‭ ‬والسلم‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‮»‬‭,‬‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مباركته‭ ‬‮«‬توقيع‭ ‬اتـفاق‭ ‬السلام‭ ‬بـين‭ ‬الولايـات‭ ‬المتحـدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحركـة‭ ‬طالـبان‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2020م،‭ ‬وانطلاق‭ ‬مفاوضات‭ ‬السلام‭ ‬الأفغانية‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2020م،‭ ‬معبراً‭ ‬عن‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬الوقف‭ ‬الشامل‭ ‬والدائم‭ ‬لإطلاق‭ ‬الـنار،‭ ‬واستعادة‭ ‬أفغانستان‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬وتحقيق‭ ‬آمال‭ ‬وتطلعات‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬والازدهار‮»‬‭.‬
الدبلوماسية‭ ‬الخليجية،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬بـ«الحذرة‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬وحدها‭ ‬بث‭ ‬تطمينات‭ ‬لكافة‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬تأثرها‭ ‬بمجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬الأفغانية‭.‬
تداعيات‭ ‬كثيرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقرأها‭ ‬من‭ ‬الصيرورة‭ ‬التاريخية‭ ‬وما‭ ‬تعلمناه‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬أولها‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الانتصار‭ ‬الطالباني‮»‬‭ ‬سيعيد‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬للتنظيمات‭ ‬الجهادية‭ ‬الأمل‭ ‬الذي‭ ‬فقدته‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬شهية‭ ‬‮«‬الذئاب‭ ‬المنفردة‮»‬‭ ‬للاحتفال‭ ‬بهذا‭ ‬‮«‬النصر‮»‬‭ ‬على‭ ‬طريقتهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الدماء‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬عايشناه‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬سواء‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاندحار‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬وبعد‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭ ‬الخمينية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬كذلك‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬لمساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وإعلانه‭ ‬إمارات‭ ‬متفرقة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ومناطق‭ ‬أخرى‭.‬
دون‭ ‬شك‭ ‬فإن‭ ‬نشوة‭ ‬وتداعيات‭ ‬انتصار‭ ‬طالبان‭ ‬لم‭ ‬تطل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإسلامية‭ ‬السنية‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬التنظيمات‭ ‬الشيعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬مسؤوليها‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬لبنان‭ ‬أو‭ ‬اليمن،‭ ‬وهو‭ ‬مؤشر‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬أخذه‭ ‬بعين‭ ‬الحسبان،‭ ‬حيث‭ ‬كسر‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الانتصار‮»‬،‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬محدود‭ ‬حدة‭ ‬العداء‭ ‬المذهبي‭ ‬بين‭ ‬التنظيمات‭ ‬المتطرفة،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبرئة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬التنظيمات‭ ‬الدينية‭ ‬السنية‭ – ‬الشيعية،‭ ‬فقد‭ ‬ساهمت‭ ‬سيطرة‭ ‬طالبان‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الأفغانية‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬عقيرة‭ ‬أصحاب‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬غير‭ ‬الدينية،‭ ‬والذين‭ ‬استغلوا‭ ‬المناسبة‭ ‬للترويج‭ ‬لحتمية‭ ‬انهزام‭ ‬معسكر‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي،‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مع‭ ‬استدعاء‭ ‬مقاربات‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬المذل‭ ‬للقوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬فيتنام‭ ‬منتصف‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم‭.‬
أحد‭ ‬التخوفات‭ ‬المشروعة‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توفره‭ ‬حركة‭ ‬طالبان‭ ‬من‭ ‬ملاذات‭ ‬آمنة‭ ‬لتنظيمات‭ ‬وأفراد‭ ‬مصنفين‭ ‬على‭ ‬قوائم‭ ‬الإرهاب،‭ ‬أو‭ ‬صدرت‭ ‬بحقهم‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬في‭ ‬بلدانهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عايشه‭ ‬العالم‭ ‬أبان‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر،‭ ‬حيث‭ ‬رفضت‭ ‬الحركة‭ ‬تسليم‭ ‬زعيم‭ ‬القاعدة‭ ‬آنذاك،‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن،‭ ‬بل‭ ‬ودخلت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬طاحنة‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬وخسرت‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتكرر‭ ‬مع‭ ‬زعامات‭ ‬وتنظيمات‭ ‬جديدة،‭ ‬مثل‭ ‬القيادات‭ ‬الجديدة‭ ‬للقاعدة‭ ‬أو‭ ‬داعش‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬خراسان‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬طالبان‭ ‬قد‭ ‬أعربت‭ ‬عن‭ ‬رفضها‭ ‬له‭.‬
التخوف‭ ‬الحادث‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬حركة‭ ‬طالبان‭ ‬على‭ ‬أفغانستان‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬أوضاعها‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬الداخلية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬أولوياتها،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬تأثيرات‭ ‬هذه‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬حلفائها‭ ‬من‭ ‬الجوار‭ ‬الأفغاني،‭ ‬خصوصاً‭ ‬باكستان‭ ‬والهند‭ ‬وبدرجة‭ ‬أقل‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭. ‬فأي‭ ‬اضطرابات‭ ‬قد‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬انعكاسها‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الأمنية‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تكاليف‭ ‬إضافية‭ ‬ليست‭ ‬مستعدة‭ ‬أن‭ ‬تدفعها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭.‬
وأخيراً‭.. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬تطور‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬أخطار‭ ‬أمنية‭ ‬محتملة؟‭!‬
لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مؤثرة‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬معتدلة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬دينية،‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬العوامل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تأهيل‭ ‬المنظومة‭ ‬الخليجية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬الجديد،‭ ‬ومحاولة‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬سردناها‭ ‬سابقاً‭. ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬شراكاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الأفغاني‭ ‬والقوى‭ ‬المؤثرة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬
الهدوء‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أولوية‭ ‬عربية‭ ‬وخليجية،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مصلحة‭ ‬عليا‭ ‬للجميع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تكرار‭ ‬لأخطاء‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬وقعت‭ ‬سابقاً‭ ‬وتركت‭ ‬آثارها‭ ‬الواضحة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭.‬

عن جريدة أخبار الخليج البحرينية

عن admin

شاهد أيضاً

موجز للحزن.. كوبا من “كولومبوس” إلى “كاسترو”

أحمد المسلماني يصل إيجار قاعدة “جوانتانامو” الأمريكية فى كوبا إلى أربعة ملايين دولار سنوياً، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.