أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / حقيقة وضع سلعة النفط اليوم

حقيقة وضع سلعة النفط اليوم

الدكتور محمد الصياد

تبدو صورة النفط كسلعة استراتيجية عالمية وكأنها تحت ضغط مستجدات اقتصادية وذلك برسم عدم مقدرة “أوبك” ومعها 10 دول نفطية أخرى، على تحقيق هدف كانت “أوبك” وحدها تحققه، ألا وهو دعم السعر.

ما حقيقة وضع سلعة النفط اليوم في التجارة الدولية للسلع والخدمات؟ هل يكون النفط قد وصل بالفعل كما تذهب بعض آراء الخبراء إلى ذروته (الذروة التي نقصدها هنا تختلف عن تلك التي “تنبأ” بحدوثها بعض خبراء النفط والطاقة عموماً وتتعلق بوصول النفط إلى ذروة إنتاجه ليبدأ رحلة النزول نتيجة لاستنزاف الحقول)؟ ما هو تأثير موجة الانشغال العالمي الصاعدة لتغير المناخ على وضع النفط في السوق؟
في مقابل ذلك، ما الذي سيُحدثه انفتاح أفق إنتاجية نفطية وغازية مهولة مضادة لمسار جهود مكافحة انعكاسات تغير المناخ؟
يراوح سعر برميل النفط اليوم حول 60 دولاراً للبرميل، وهو ما يمكن أن نصفه بنقطة التعادل في معركة شد الحبل بين مجموعة “أوبك بلس” التي تضم الدول الأربع عشرة الأعضاء في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك)، إضافة إلى 10 دول منتجة للنفط غير أعضاء في “أوبك” تتقدمها روسيا والمكسيك وكازاخستان وأذربيجان وغيرها. وهو تجمع نفطي جديد أُطلق رسمياً أواخر عام 2016، وصار يُنعت في الإعلام الغربي المناوئ لأوبك، بـ “السوبر كارتل” (أي اتحاد المنتجين فائق الاحتكار)، فيما هو يعرف بصورة غير رسمية باسم “مجموعة فيينا” أو “أوبك بلس”، كما تقدم.

يسيطر أعضاء أوبك على 35% من إمدادات النفط العالمية، و82% من الاحتياطيات المؤكدة.

ومع إضافة الدول العشر غير الأعضاء في أوبك، ترتفع هذه النسب إلى 55% و90% على التوالي. وهذا يمنح “أوبك بلس” مستوى من التأثير في الاقتصاد العالمي لم يسبق له مثيل من قبل. بدأ هذا التحالف أو الائتلاف البترولي أولى خطواته العملية بتعهد مشترك بخفض الإنتاج بمقدار 1.8 مليون برميل يومياً (حصة أوبك منها 1.2 مليون برميل يومياً، وحصة المنتجين الآخرين من خارج أوبك 600.000 برميل يومياً). كان الهدف هو تنشيط أسعار النفط التي تعاني تباطؤاً في الاقتصاد العالمي وطوفان النفط الصخري الأمريكي. فكانت النتيجة نجاحاً باهراً للتحالف النفطي، حيث قفزت الأسعار بنسبة 40% بين “إعلان التعاون” في نوفمبر 2016 ومايو 2018، ووصل سعر برميل النفط من نوع برنت في يونيو 2018 إلى مستوى 75 دولاراً للبرميل. طبعاً من دون أن نسقط من حساباتنا الانهيار الاقتصادي في فنزويلا، وتعطل الإمدادات من ليبيا، كعوامل مساعدة لارتفاع سعر برميل النفط.

وبذا يقال إن الزمن الذي لم تكن فيه أوبك تحتاج إلى المنتجين غير الأعضاء لتحقيق أهداف سياستها، قد ولى إلى غير رجعة. فأوبك القديمة التي نعرفها قد انتهى أجلها من الناحية الفعلية، و”أوبك بلس” هي من تشغل اليوم مكانها. طبعاً، كل هذا بسبب اللاعب المستجد في سوق البترول الدولية، وهو النفط الصخري الأمريكي.

لكن هذا التحالف الجديد دونه مشاكل تتعلق بمدى الامتثال الذي تلتزم به الدول المنتمية له، مثل العراق ونيجيريا (العضوان في أوبك)، وهو ما كان محل لفت نظر من قبل وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان في الاجتماع الأخير لأوبك الذي عقد بمقر المنظمة في 6 ديسمبر 2019، حين جرى الاتفاق مبدئياً على إضافة نصف مليون برميل إلى مستوى التخفيض يمتد حتى نهاية الربع الأول من عام 2020. ومن الطبيعي أن تتحمل أوبك العبء الأكبر لهذا الخفض (372 ألف برميل يومياً)، وكذلك السعودية الحريصة على تزخيم الاتجاه الصعودي لسعر برميل النفط بهدف دعم طرح أسهم شركة “أرامكو” وتحقيق نوع من التوازن في موازنتها.

وكان الائتلاف النفطي الجديد قد اتفق قبل نحو عام على خفض إنتاج أعضائه بمقدار 1.2 مليون برميل يومياً تنتهي مدته في مارس 2020، وذلك لمقابلة آثار انكماش النمو العالمي، ووفرة المخزون النفطي، وهشاشة أسعار النفط.

بالمقابل، هناك تكتل غير معلن للدول المنتجة للنفط غير المنضوية تحت تكتل “أوبك بلس”، ويضم كندا والبرازيل اللتين زادتا إنتاجهما، والنرويج التي تنوي زيادته، والولايات المتحدة التي أطلقت إنتاجها إلى مستويات غير مسبوقة (زاد في شهر أغسطس الماضي بمقدار 600.000 برميل يومياً، ليصل إجمالي إنتاجها إلى 12.4 مليون برميل يومياً)، ما جعلها تتصدر قائمة منتجي النفط في العالم. وهذه المجموعة من الدول لها تأثير معاكس للتأثير الذي تطمح مجموعة “أوبك بلس” إلى تحقيقه من وراء سياسة تقييد الإنتاج. وهنا تبقى وتيرة إنتاج النفط الصخري الأمريكي، هي التحدي الأكبر لـ “أوبك بلس”.

بهذه المعطيات تبدو صورة النفط كسلعة استراتيجية عالمية، وكأنها واقعة تحت ضغط مستجدات اقتصادية (إضافة إلى ضغط السياسات المناخية والبيئية العالمية المتصاعد). وذلك برسم عدم مقدرة “أوبك” ومعها 10 دول نفطية أخرى، على تحقيق هدف كانت أوبك في السابق وحدها تحققه بمجرد إنهاء اجتماع تنسيقي واحد لها حول مستوى الإنتاج، ألا وهو دعم سعر فعال لبرميل النفط، وأيضاً برسم مستوى التفاعل الذي أظهرته الأسواق مع طرح أرامكو الأول. لكأن سعر البرميل وصل إلى نقطة التجمد التي يكون فيها لا حراك له، حتى إنه لم يتأثر فعلياً بالحوادث الإرهابية التي تعرضت لها منشآت وطرق إمدادات النفط في الخليج.

بحسب بعض التوقعات، فإن الطلب العالمي على النفط سيرتفع بنسبة تراكمية تبلغ 21% بحلول عام 2030، مقارنة بما كان عليه في عام 2007. وتنسب معظم هذه الزيادة في الطلب لقطاع النقل، وذلك نتيجة للنمو الكبير في الطلب على المركبات ذات الاستخدام الشخصي التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، علماً بأن الطلب على النفط يأتي من أربعة قطاعات أساسية، هي: قطاع النقل، والقطاع السكني، والقطاع التجاري، والقطاع الصناعي.

من هنا يأتي الاستهداف الممنهج للنفط باعتباره الضلع الأساسي في ثلاثي الوقود الأحفوري: الفحم، والنفط والغاز.

هناك وجه آخر للقضية، سيعيد النفط إلى سابق عهد توهجه، وهذه المرة عبر خدمة يقدمها له تغير المناخ نفسه. وهذا ما سنعرضه في مقالنا اللاحق.

  • جريدة الخليج الاماراتية

عن admin

شاهد أيضاً

نصرالله و”شرعنة” التهريب

عبدالوهاب بدرخان لا الرئاسة ولا الحكومة ولا وزارة الخارجية استشفّت أي ضرورة للتعليق، مجرد تعليق، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.