أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / على عكاز «الثعلب العجوز» !

على عكاز «الثعلب العجوز» !

رشاد أبو داود / الدستور

يعود «ثعلب السياسة» التسعيني العجوز هنري كيسنجر الى الطريق نفسه الذي سلكه قبل 47 سنة متكئاً على عكاز ليحضر منتدى اقتصاديا في العاصمة الصينية كهدف معلن للزيارة، لكنه مجرد عنوان لقضايا أكبر وأخطر تمس العلاقات الأميركية الصينية.

الحكاية بدأت بمصافحة اللاعب الأميركي بكرة الطاولة «البينغ بونغ» مع منافسه اللاعب الصيني على هامش الدورة 31 التي كانت تقام في اليابان، وقدم خلالها اللاعب الصيني هدية الى اللاعب الأميركي لفتت انتباه وسائل الاعلام الدولية، فما كان من الفريق الأميركي الا ان عبر عن رغبته بزيارة الصين. وصل الأمر الى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ الذي وافق على دعوة يوجهها المنتخب الصيني الى المنتخب الأميركي.

تمت الزيارة بين 10 و17 ابريل 1971 وكان ذالك أول وفد أميركي يزور الصين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وانهاء الفي عام من الحكم الامبراطوري. استقبل رئيس الوزراء شوان لاي الوفد الرياضي الأميركي وألقى كلمة أورد فيها عبارة ملفتة بقوله: أنتم تفتحون اليوم باباً جديداً للعلاقات بين شعبي الدولتين. بعد ساعات أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عن اجراءات لتخفيف الحظر الأميركي على الصين.

بعد نحو ثلاثة أشهر قام هنري كيسنجر بزيارة سرية الى الصين موفداً من الرئيس نيكسون. وفي فبراير 1972 شباط قام نيكسون بأول زيارة لرئيس أميركي للصين، وصدر اعلان شنغهاي الذي أسس لتطبيع العلاقات والتي عادت رسمياً في 1978، أي بعد مرور نحو ثماني سنوات على المصافحة بين لاعبي كرة الطاولة الأميركي والصيني في اليابان.

منذ ذلك الوقت تسير العلاقات بين البلدين على ما يرام، لكنها تعرضت لرياح تكاد تتحول إلى أعاصير في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي أبدى مواقف متشددة إزاء بكين، بسبب العجز التجاري للولايات المتحدة أمام الصين، قائلا إن الصين تهاجم أميركا بسلاح ردع غير تقليدي، مشيراً الى «توازن الردع النقدي»؛ وهو السلاح الذي أدركت الصين فعاليته كبديل لتوازن الردع النووي الذي كان متبعاً في الحرب الباردة بين الشرق والغرب، أي قوتها المالية التي تعاظمت في العقود الثلاثة الأخيرة وتبشر بأنها سوف تصبح سيدة التجارة العالمية، ربما مع العقد الثالث من القرن الحالي بدون منازع، متقدمة واشنطن بخطوات كبيرة.

بهدوء، تبني صين ما بعد ماوتسي تونغ و شو ان لاي، نفسها كدولة عظمى دون التفات لما يقوله الغرب عنها بشان الديمقراطية وحقوق الانسان. وتركت ترامب يتخبط بتصريحات تهويشية منددا بـما يسميه «الغش» الذي تمارسه الصين، ويشن حربا تجارية شعواء، ثم يفرض التعريفات الجمركية التي تكبد الصين خسائر فادحة، فيما يكاد المشهد يتحول من حرب تجارية إلى حرب باردة تعقبها مواجهات ساخنة.

هنا، ولتبريد الوضع بين بكين وواشنطن يظهر كيسنجر، مرة أخرى، محاولا إنقاذ الموقف عبر المؤتمر الذي نظمته وكالة «بلومبرغ»، خلال الأيام الماضية في بكين، وأعرب عن قلقه حيال المواجهة القائمة تجاريا بين البلدين.

حذر كيسنجر من مواجهة ما زال من الممكن تفاديها، بين واشنطن وبكين، ومنبهاً إلى أن المواجهة بينهما تقترب من الحرب الباردة، بل ذهب في مخاوفه إلى حد أبعد، فلم يستبعد أن يصل الصراع مستوى أعقد من الحرب العالمية الأولى.

مشاركة كيسنجر، في مؤتمر «بلومبرغ» في بكين، كما تفيد تقارير اخبارية، لم تكن أمرا عشوائيا بل رسالة أميركية في وقت حساس بالنسبة للرئيس ترامب بشكل خاص قبل أي مسؤول آخر، لا سيما وأنه يعتمد على كيسنجر اعتمادا مباشرا، في الكثير من الملفات الخارجية. وقد بات الأميركيون يثقون الآن في «الثعلب العجوز»، بشكل أكبر، مقارنة بثقتهم فيه حين كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، في عهد الرئيس الأسبق، ريتشارد نيكسون.

كان كيسنجر حذر الرئيس باراك أوباما من سياسة «القيادة من وراء الكواليس»، وبين له أن كل مربع قوة ونفوذ أميركي يخليه سوف يقوم غريمه فلاديمير بوتن بملئه في التو، وهذا ما حدث بالفعل في ملفات ساخنة كالملف السوري.

الصين تحتفظ لكيسنجر بسيرة طيبة لدوره في دبلوماسية «البينغ بونغ» التي فتحت الاسواق الاميركية والأوروبية امام صادراتها. فقد أشاد به وزير خارجية الصين وانغ بي، وطلب منه الصينيون مواصلة القيام بدوره الذي لا غنى عنه، حسب تعبير الوزير الصيني، في طريق التنمية السلسة والصحية لهذه العلاقات.

هل ينجح كيسنجر في نزع فتيل المواجهة بين بكين وواشنطن كما نجح بكسر جدار الجليد بينهما بكرة بينغ بونغ ؟ الأرجح أنه سينجح اللهم الا اذا، كعادته في كثير من القضايا، غير ترامب رأيه!

عن الدستور الأردنية بالتزامن مع البيان الإماراتية

عن admin

شاهد أيضاً

نصرالله و”شرعنة” التهريب

عبدالوهاب بدرخان لا الرئاسة ولا الحكومة ولا وزارة الخارجية استشفّت أي ضرورة للتعليق، مجرد تعليق، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.